عبد العزيز أزغاي

نحو سماوات لا تحصى

 

لا بأس أن نجيء ثانية بالبكاء.

كلانا حرَث مياهاً كثيرةً

بفؤوس لا تفهم،

و تركنا خلفنا عماء

يتلعثم في أفلاك الأحذية.

 

ولأننا لم نر أبعد من القصائد،

أقمنا طويلا في جوارب اللغة

ثم اكتفينا بغزل العابرات.

 

وحتى نكون صادقين مع النوايا،

ركبنا دراجات مسرعة

ونسينا أقدامنا في الهواء.

 

***

 

ثم لا بأس بعد الذي صار.

مازلنا نملك وقتا صحيحا

في العلة،

وما زال في مقدور الهيكل

أن يدور.

 

ليس في الجثث كلُّ هذا الضحك

كما ليست خفيفة

بما يسعف الأقدام.

وليست الخسارة في أن نندم.

ثمة أقدام كثيرة لا تربح،

حتى إن الله كان واقعيا

في الصناعات

لكننا نسينا قبل ذلك أن نكذب.

 

***

 

ولأن الحديث عن الخيول

كانت تنقصه الجباه،

كان منطقيا أن نكبر

مع الأوحال.

 

ثم ماذا عن الذين أكلوا

في هواء واطئ؟

ولماذا لم نقس خرائطنا

بأشبار تحلم؟

 

جمعنا أعطابنا في تهديد اللغة

ولم نحلم جيدا بأناقة أفضل،

حتى إننا كنا راسبين

في عين المعنى

وواضحين كثيرا مع التفاهات.

 

جرى هواء سريع في القرن الماضي

لكن الثواني

كانت أطول.

وقبل أن تتعب منا العضلات،

زرعنا نضجا في شيخوخة العقل

لكن الخيال كان أقرب.

 

***

 

في القرن الماضي

فاتنا أن نلعب باكرا

مع الأطفال.

شربنا الجسارة مع النبيذ

وكان في نيتنا أن نكبر.

ولأننا فرغنا من الموت متأخرين

نسينا أن نشيخ أفضل.

 

***

 

بإمكاننا أن نستقر اللحظة

على طريدة لا تفهم

أو على أكثر من قطيع

إذا راق لنا الحال،

ثم نصوب بعدها عميقا

نحو الهشاشات العظيمة في الرأس.

ربما الأمر هكذا

في غاية الرحمة.

 

لا بأس أن نتعب قليلا

كنبلاء عاطفيين،

ونحن نرمي بأنفاسنا المهشمة

نحو سماءات لا تحصى..

كأننا صرنا سفنا

تستهويها جدارة القيعان

دون أن نغرق.

 

***

 

سنلتقي بأطرافنا ثانية

كأناس حداثيين

يعيدون تدفئة الأفكار الراسبة

في معاطف الدببة

ويقلمون غرائز الرصاص

بشفرات النقصان

ولا أحد  سيكون بحاجة إلى موسيقى

حزينة في العمق.

 

كل واحد  سيعرف

بالغريزة فقط

كيف يعدل ياقته

أمام حدس العميان

وكيف يبدو عميقا

مثل بئر

دونما حاجة إلى ثرثرة.

 

كل واحد سيضع أصابعه المتسخة

على جبينه الحاد

تماما

كما كان في الأحاجي

كأنما يرعى قطيعا من السعادة

في الخيال.

وحتى نبدو تراجيديين في الصميم،

سيكون من اللائق دائما أن ننسى،

كأن يتذكر أحدنا طيبوبته الهشة

ويبكي .. يبكي ..

ثم ينسى ..

هذا مفيد للعمق ..

مثلا.

 

***

 

العقلاء منا جدا،

الذين فهموا الأبوة في الغابات،

سيأكلون الحلوى الطازجة

بسبب أسنان

كانت لهم في الماضي.

 

وقبل أن يخرجوا إلى الحظائر

بغرائز منطفئة،

سيلتفتون مرة إلى الخلف

بعيون تفهم،

حتى إنهم سيكونون أكثر تعاسة

وهم ينسون زوجات بردن باكرا

ونمن وحيدات مع العاهات.

 

***

 

العظيمات ..

العظيمات في كل شيء،

اللواتي جربن أنوثة

لا تنقصها عضلاتٌ،

العائدات من ارتماءات باهضة

في اللغة،

سيصدقن أخيرا

أنهن كن بارعات في السجائر

ووسيمات في قلب العطب

ولولا السعال الذي جاء في الذروة

لكن جدات ودودات

يحرسن أحفادا عسيرين

ويطرزن مناديل

تصلح في الوقت الأهم.

 

الوحيدات

اللواتي يتحدثن الآن

عن سرطان الثدي

ويبكين من القلب

أمام رسوم الأطفال.

 

***

 

الأصدقاء  كثيرا.

القريبون إلى التهلكة.

المقامرون بالأصابع.

الذين جاءوا فقط للضجيج.

العابرون في خفة الدم.

الذين قتلوا كل العداءات

في النبيذ.

وكنسوا أعمارا فائضة

بالنسيان.

الودودون بمحض الخاطر.

الذاهبون إلى الأقصى.

أطفال الحانات.

المنكسرون.

أيها الأصدقاء كثيرا،

أنتم بالذات،

سيكون من اللائق أن تناموا

 

في وقت آخر

حتى لا أحلُمَكُم.