عبد السلام الموساوي
تعويدات لفتح الباب الكبير
فــاتــحــة :
غيــمــة البلد أعرفها
داكنة لا تفارق رأس المئذنة العتيقة
كما لو أن الخريف دق بمسامير الفصول هناك
وساعة البلد لقياس الوقت
خليط من رعاف الشمس واحتضار الظل
والعقارب أجنحة مائلة
بها يقتسم ماء العرصات
وينجلي عن حيز الكفر ميقات الصلاة ..
دلــينـــي :
دليني على عطرك السخي
ذاك المنبعث من ضباب الليمون وانتفاضة القرنفل
ذاك اليسحب ذاكرتي إلى بقع بهية
حيث الزعتر والآس يختصمان تحت سماء مرصعة بالأحلام
دليني على عطرك كي أخرج من دائرة الخراب
وأتبع خطوي المعاند إلى نهايته
إلى جلال الينابيع والسواقي التي
أطلقتها يد ربانية من زوادة الرواء اللذيذ ..
أيها الوجه الموشوم بإبر العوسج ورماد القدر القديم :
بسمتك عرس
فيض طير أبيض
وخلخالك في الخطو إيقاع مزهر على رصيف المساء
ومبارزة السيوف على دم الغريب
قل أشياءك أيها الوجه
قل شيئا يعيدني إلى هلام التكوين
أو يحولني إلى تخوم الرعشة
لعلني أتبين فجور الجدران التي فسحت للغواية طريقا
وفتقت الأغصان المحمومة بالقبل
كي تجيء صرختي بحجم الكوابيس ...
أمام الباب الكبير :
لحظة الوقفة المتلبسة باللهفة والألم
بالشوق الموارى للأوجه الغائبة ..
هل تقرع الكف هذه الحلقة المختومة بدوائر الزيت والغبار
لتمزق نسيجا حاكه الغياب على نول بنلوب المنتظرة ؟
وهذه النقش : لا غالب إلا الله ..
كيف ترى يصمد جلال الحناء أمام خديعة الغبار ؟
كنت أيها الباب
لحظة الحد الحكيمة بين الجنازة والعرس
هل تذكر آخر خطوة ودعتك إلى الأبد
ليرين بعدها صمت موتى بلا جثث ...
دعني أيها الباب أجتاز أعتابك المشروخة
فأنا لا أنوي امتلاك صدأ الأقفال
ولا سواد النقود في صفحة خشبك الحبيب ...
أنا : ساقتني إليك عاصفة لذيذة من ذكريات :
جلسة القهوة على أصيل الأهل الوافدين من فاس ــ رقص
البنات
في حيز الخجل بعيدا عن الأعين ــ دورة
الحاكي بعد
العشاء ــ لحية شيخ يتلو سيرة ابن ذي يزن ....
أخبرني أيها الباب :
أما زال في جوف الجدار بقايا من سواك أمي
المنزوع من جذوع الجوز
وقطع البخور المنذورة لليلة القدر ..
أما زال هناك عنقود العليق
وصورة الصحابة يطل منها وجه يوسف على غواية زليخا ؟
لن أفتحك أيها الباب
فخلفك تربض دمعة كبيرة
وعناكب من دم المكان ..
من ثقوب الباب الكبير
رشفت
من حزني ورنوت إلى سنديان الباب
عددت
تسعين قطعة من سواد النقد القديم
سمرها
جد قرنفلا من حديد وترحابا لمعدن القلب
الوافد
على الدار .. عددت طرقات طفل
كنته
وعددت الحنين .. وسمعت أصوات
اللحى
تتهجى الأسماء الحسنى في انحناء
الشيوخ
العجائز على غزل الصوف
جلابيب
للرياح
لليل
الصلاة
لشمس
الحصاد
لبحر
السفر
للعيد
العنيد
عددت
ثقوبا لرصاص يدخل في تاريخ الوطن
وما
يزال دخان الذكرى يملأ خيشوم امرأة
لم
يقتلها الوقت ويتداخل ورائحة الزيت
في
طعام المجاهدين ليتدلى عنقود الكلام :
هنا
تعشى عبد الكريم
هنا
كان ينام سيد الرجال
هنا
تزوجت عذارى البيت
هنا
أرقت ختانك وعجنته
بماء
الورد وحبوب البارود
هنا
.. هنا .. هنا ...
كان
الباب شامخا كقرون الدنيا ولونه كان من
رماد
أيتها
السنديانة العظيمة
من
أية غابة أسطورية جلبوك
وعمدوك
ليسموك الباب الكبير؟
زمن
الدهشة يبدأ :
جلابيب
سوداء .. مآزر الحرير
دنان العسل .. جرار اللبن
وسلال التين والرمان .. حسرة
حديثة وموال زفرة على الخير
القديم ، وحسرة أخرى على السيد
المقتول ذات طلقة في غابة الولي
الصالح .. دموعك أيتها الثاكلة
لا
تختزل الرحيل ، والحصان العائد
من غير
فارس
لن يحمل بعد اليوم رجلا
بقامة الشموخ .. عدلي أيتها
المرأة
المحفورة الجفنين موازين البكاء
واضبطي الزمن على تاريخ الفواجع
والدم المخملي ..
للعتبة المذبوحة تحت أقدام
الباب الكبير
شرخ الدخول والخروج :
كن يقفن في عرصة الدار
ووشمهن مرفوع لبهاء الغناء
ويصوبن في جلال دفوف الماعز
المطهو لقرآن المرتلين ،
ويسكبن الألحاظ على دجى الشوارب
الخشنة :
يا بستاني الممعن في الأخضر
وريقة .. وريقة كنت تتساقط
وثمة تبقى
من يختار العشق طريقا
ليس له سوى أن يشقى
يا قبري المحفور جنب الدفلى
بالأمس ..
أيها الرقيب الذي يتبعني كنحسي
أخبرني : كم قطرة دم سيسكبها
جسدي المحنط في ثياب العرس
حتى لا يقتلني عرسي ؟
سأستعيد أيها الباب الكبير
طرقاتي الصغيرة
لترسمها طفلة على كراسة النبوة
وتلونها برحيق
الأقحوان المتسيب هنا وهناك
.. وسأستعيد بخور
الأرواح من تاريخ السلالة إلى
أول جد مقدس رمى
أسواره على محيط الأرض وأغلقك
على سر المضاجعات ،
وسمر في الجدار هذيان رسام
مجهول يحكي قصة
التكوين بلون الصراخ :
زوجان يحجبان الخصوبة بمداد
الطبيعة ويؤرخان لهدير الحرمان
والشيطان ..
كبش خرافي قبل أن يشرق الضوء
من دم إسماعيل
سيدي يسرج أسدا أصفر ويغادر
سجن البلاد
فارس
يحرر لونه من أصفاد الإيديولوجيا
ويقود عبلة في هودج الصحراء
..
دم أخضر .. عشب أحمر .. نخيل
المدينة ..
آية صغيرة وبلقيس توقظ شهوة
الجن
بالسيقان المخدوعة ..
وسأستعيد أيها الباب وجوه من
كانوا .. ومن غابوا
صبار الصباح لخيل القادمين
من فاس ..ولوز
القلب لمن يعشقه القلب .. ووجه
الله في لوحي الصغير .
يا زئير الباب الكبير
يوقظه الداخل والخارج من خام
الطبيعة
ركب لي التهويدة القديمة لنوم
الرضيع
وأنين الرحى على حبات العرق
والشعير.
رشفت من تعبي ورنوت إلى سنديان
الباب
عددت النقد القديم/ قرنفل الحديد
هيأت كفي ..دفعت
كان الباب الكبير مشرعا على
بحر الخلاء
ويدي ممدودة في العراء