بيت الشعر في المغرب
كلمة الشاعر محمد الميموني
بمناسبة اليوم العالمي
للشعر 21 مارس 2003
أوقدي نارك أيتها الذات الشاعرة
ما جدوى الشعر
في زمن شحبت فيه حتى ألوان عروس المطر واختزلت في الأبيض
والأسود؟ هذا ما حدّث به شاعرٌ نفسه بصوت خافت كما لو
كان يريد محو حياته أمام شهادة محرجة، لكن صوتا ما نبهه
إلى أنه يرتقي بهذه المناجاة إلى مقام أقرب مايكون إلى
الحياة. الأمر إذن يستحق المغامرة! فليرفع صوته ولا يبالي.
لا أحد مثله يستطيع قراءة لغة الحدس. فقد تعود أن يستفتيه، في
خضم المعركة، عن أي الأسلحة أجدى لصد الضربات، وفي زمن
السلم، عن أي الجسور أقوى للعبور إلى وطن الخلائق المتفردة
التي تنفر بطبعها من سلطة الأنماط، وتقيس على ما لا يقاس:
وطن تمجيد الإبداع ونبذ الإتباع.
يقول البعض عنه:
هذا مثالي لاينفع في زمن الحسابات التي لاترحم، ويقولون
أيضا: كيف يعتمد في سبر الحاضر واستشراف الآتي على رؤى
لامنطق لها ولا حساب؟ لكنه لايبالي أيضا، لأنه يعرف أن
الحدس هو أبجدية الحياة، لذا يواصل الإصغاء لما يبثه من
إشارات وينشغل بفك شفرته السرية.
ماجدوى الشعر في زمن المصادرة والاحتكار وحسبان المصالح واحتقار
القيم الفكرية والفنية والأخلاقية؟ وهل تستطيع القصيدة
تغيير وجهة هذا العالم قبل الهاوية؟ لايدري، وإن كان على
يقين من أن للقصيدة، القصيدة، تركيبة سحرية تستطيع تحريك
آلية التغيير في أعماق الفرد. وهل يطمح شاعر إلى أبعد
من ذلك؟
مهمة الشاعر هي إبداع رموزه الخاصة انطلاقا من حريته وقناعاته
وشكوكه وآماله وطرحها على العالم كما هو، ليس بقصد إقناعه،
بل بهدف إقلاقه وخلخلة مسلماته. وهو لايبدع تلك الرموز
لأقلية ولا لأغلبية بل يضعها للحياة التي تتكفل بإنضاجها
إن كان بها قابلية لحياة، أو نسيانها إذا كانت خالية من
عناصر الإخصاب التلقائي. إن حب الشاعر للحرية وفضوله المعرفي
وشوقه للاكتشاف تقوده إلى الكلمة الشعرية ليبحث فيها عن
شكل من التحرر وطقس شبه سحري يساعد على رؤية ما في هاوية
تعاقب الحياة اليومية من عناصر إيجابية، يلتقطها واحدة
واحدة ليبني منها صورة زمن مفترض، آت، يطمئن فيه المقيمون
في هذا الكوكب الهش الجميل على تعاقب أحفادهم وتناسل أنسابهم،
في عالم أكثر إنسانية وأقرب حميمية.
ولايعني ذلك أن الشعر يمتلك مفاتيح
الغيب. فما هو إلا سؤال وتأمل وسحر حلال يفترض أن الشك
والتساؤل أسلوب آمن في ممارسة الحياة وآلية حية لمواصلة
تطورها وتجددها.
للشعر لحظتان: يبدو في الأولى أقرب إلى الشهادة على واقع عام،
ويبدو في الثانية وكأنه يغوص أكثر في عالم الذات الفردية
ولايلح كثيرا على القضايا الجماعية. لكنه في اللحظتين
يغوص في عمق الفرد لكي يلمس جوهر الأفراد، لأن الذات الشعرية
ذات ناقدة وجماعية في جوهرها، وكل قصيدة هي فردية وجماعية
في آن واحد.
أوقدي نارك أيتها الذات الشاعرة، وجددي
رسم قوس قزح في ألوانه السبعة.