مواقف


دم الشعراء في القرن العشرين

(بمناسبة الذكرى الخمسين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان)

 

            تحتفل الإنسانية بالذكرى الخمسينية للإعلان العالمي لحقوق الإنسان. إنها ذكرى الانتصار على تاريخ بكامله من تجاهل وإنكار مبدإ الاعتراف بما يجعل الإنسان حرا في التفكير والحساسية والتعبير، وبما يجعله، في الآن ذاته، حرا في إعادة صياغة القيم، مهما كان نوعها أو تأثيرها. ذلك هو معنى أن ينتقل الإنسان، فردا أو جماعة، من مرحلة الخضوع إلى مرحلة الحرية، وهي السمة العميقة للمساواة والديموقراطية.

            لقد شكل الشاعر في قرننا العشرين رمز انشغال الوعي الإنساني بمسألة الدفاع عن الحرية وإبداع صورة جديدة للحياة. وهو لأجل ذلك أنتج الأعمال التي لا تتوقف عن التأثير فينا بجمالياتها المفاجئة، النابعة من الإنصات لزمننا، واصلا بين مغارته الإبداعية وبين عدم رضوخه للإرغامات التي كانت تعترض سبيله. ويمكن لكل واحد منا أن يدرك روعة الأعمال التي حررت رؤيتنا وحساسيتنا من صرامة المغلق، وهو يعتقل الأنفاس بحجج تلتقي كلها في إلغاء ما يعيد به الإنسان اكتشاف لا نهائية صورته أو صورة ما يحيا به وفيه، جسدا ومجتمعا وأشياء وكونا. بكلمات النشيد، صافية وقريبة من إحساساتنا، أقدم الشاعر في قرننا على اختيار أن يعطي الشعر معنى الضرورة، وبجسده أيضا لازم هذا الاختيار. فشعراء القرن العشرين، الذين وهبوا نشيدهم لحرية التخيل وحرية كتابة قصيدة، ترحل من جديد إلى آفاق تسمية جزئية للآلام والعذابات، هم أنفسهم الذين تضاعف العنف ضدهم، بالمنع والتعذيب والنفي والقتل. دمهم دم النشيد. شاهدا على أنهم يستبسلون في كتابة قصيدة لا تتنازل عن اختيار أن ينتصروا لحرية الإبداع كما لحرية الجسد والأفكار والآراء والمواقف والاعتقاد.

            شعراء من المغرب، ومن عموم العالم العربي، يلتقون في مصيرهم مع شعراء من القارات جميعها ومن لغات. سجل الأسماء أقوى من النسيان الذي يريد أن يترك الشاعر خارج الضرورة، منزوعا من حق الإقامة في المدينة. وإذا كان محمد القري أول شاعر مغربي في عصرنا الحديث استشهد سنة 1937 على يد الاستعمار، فإن استشهاد الشاعر الإيراني محمد مختاري، هذا الأسبوع، يأتي ليذكرنا أن دم الشعراء واحد في هذا القرن وأن دم نشيدهم واحد أيضا.

            مصير الشعراء رمز لعذاب بشري طويل وقاس من أجل حقوق الإنسان. ورغم أن الإعلان عنها قد تم منذ نصف قرن، فإنها ما تزال معرضة للانتهاك في فترة يبدو أن فلسفة حقوق الإنسان أصبحت مقبولة من طرف الجميع، كقيمة أساسية للعالم المتحضر. ومن مظاهر ذلك أن حرية تنقل الأفكار والناس تبقى شعارا فارغا من المعنى ما دام الإنسان، الذي يختزل إلى مادة تجارية، وإلى منتوج للاقتصاد المسمى ليبريا وللاستهلاك الجامع، هو وحده المستفيد من اجتياز الحدود. إن أفق الفكر، بكل القيم الإنسانية المتحررة، يبتعد أكثر فأكثر عن العالم الذي نعيش فيه. لقد أصبح منطق الحرب والعدوان والاستغلال المادي الوحشي أكثر سيطرة، من طرف الذين يدمرون كل القيم الإنسانية الجميلة. والغاية العلنية لهذا المنطق تتمثل في تحويل كل ما يوجد في العالم إلى مصالح خاضعة بقوة القهر إلى مناطق نفوذ الرأسمال، دونما اكتراث بالضحايا وبما ينحفر من عذاب وهوان على أجساد المستضعفين أو من دموع الأبرياء في عراء البرد والجوع والأمراض  والتشرد والحرمان. لا زهرة تدل المعزولين على طريق الحق في المن والسلم ولا أمل في النجاة من جبروت الدمار.

            ولا يتوقف هذا الانتهاك. فأعمال الخيال التي تحافظ، في كامل تنوعها، على التعبير الكوني عن مقاومة الاضطهاد، تظل إلى يومنا هذا منذورة للإهانة والتحقير؛ كما أن قوانين المنع وكم الأفواه والقتل مسلطة إلى يومنا هذا على الإبداع في مناطق عديدة من العالم. لقد تم اغتيال شعراء وفنانين ومثقفين لأنهم تجرأوا على أن يعلنوا عاليا رفضهم لعالم الظلمات ولكون بدون أمل. وفترتنا المسماة بفترة التبادل الحر هي لحظة العزلة الكبرى التي لا تتوقف فيها النفوس الكبيرة عن الموت في صمت.

            وهذه الذكرى الخمسون للإعلان العالمي عن حقوق الإنسان فرصة مجددة يؤكد فيها الشعراء المغاربة، من خلال "بيت الشعر في المغرب"، على انتمائهم لحرية القصيدة، وعلى أن للشاعر حق الإقامة الحرة في المدينة. فالحرية اسمهم الأول ولأجلها يواصلون كتابة النشيد.

(بيت الشعر في المغرب)

الدار البيضاء، في 15/12/1998.

 

تنديد بالعدوان على العراق

            على إثر الغارات الشرسة، والهجمات العسكرية العدوانية التي شنتها القوات الأمريكية والبريطانية على الشعب العراقي متجاوزة بذلك كل القوانين والمواثيق الدولية، ومتحدية لمشاعرنا كعرب ومسلمين، وما ترتب عن ذللك من تقتيل للأطفال والنساء، وقصف للأحياء السكنية والمؤسسات الاستشفائية، وضرب سافر للبنى التحتية، ولمختف ما يشكل وجدان وحضارة أمة بكاملها من مؤسسات ثقافة وتاريخية وعمرانية، يعلن "بيت الشعر في المغرب" عن تنديده بهذا العدوان الشنيع، وعن تضامنه المطلق مع الشعب العراقي الشقيق، ويطالب من كل المنظمات والجمعيات الثقافية في المغرب وخارجه إلى إعلان تضامنها الواضح، والوقوف إلى جانب الشعب العراقي للمطالبة بإيقاف هذه الهجمات ورفع الحصار عنه، والتنديد بالقصف الأمريكي والبريطاني الذي هو، في جوهر، إهانة للعرب ولكل المسلمين في كافة أرجاء العالم.

(بيت الشعر في المغرب)

الدار البيضاء، في 19 دجنبر 1998.   

 
نداء للشعراء المغاربة من أجل السلم والصداقة والحرية 

(أصدر بيت الشعر في المغرب بيانا أبرز فيه موقفه من أحداث  11 شتنبر  2001 بالولايات المتحدة الأمريكية، وفيما يلي نص البيان)  

عاش الشعراء المغاربة كما عاش جميع المناصرين للسلم والصداقة والحرية في العالم، كارثة الهجوم الإرهابي على نيويورك وواشنطن بألم كبير، وتقاسموا مع عائلات الضحايا الأبرياء، ومع الشعب الأمريكي، لحظات الفاجعة وأيام الرعب والحداد. إحساسنا بالكارثة صادر عن إيماننا العميق بأن الإرهاب ينافي الروح الإنسانية والقيم الحضارية، التي سعت شعوب وحضارات، عبر العصور، إلى بلورتها وترسيخها، دفاعا عن حرية وكرامة الإنسان في كل مكان من العالم.

إن هاته الفاجعة تأتي لتنبهنا من جديد إلى ما يمثله الشعر من لغة عليا مشتركة بيننا وبين غيرنا في العالم. وهي لغة السلم والصداقة والحرية، التي ورثناها منذ قرون طويلة، عن شعرائنا العرب العظام في المشرق العربي وفي الأندلس والمغرب العربي، وهي نفسها اللغة التي نحافظ عليها في شعرنا الذي نكتبه للإنسان. لغة لما يمنحنا انتماؤنا إلى العالم الحديث ومشاركتنا في إعطاء الكلمة الشعرية صفاء معناها. ولكن عالمنا، اليوم، مهدد بما يتعارض مع هذه اللغة، التي هي وحدها لغتنا، ولا لغة لنا سواها في حياتنا وكتاباتنا. وهذا التهديد شمولي، لا يترك طرفا في مأمن من التدمير الذي يمارسه إرهاب يبلغ حد هدر دماء شعوب وإحراق ذاكرات وثقافات، ويسعى إلى تدمير الجميل والإبداعي في علاقات التفاعل والجوار بين الشعوب.

إننا كشعراء مغاربة، عربا ومسلمين، نقف إلى جانب الدفاع عن السلم والصداقة والحرية في العالم. وهو ما يعطينا حجة أن نكتب النشيد الإنساني، إلى جانب الشعراء في لغات وحضارات. وموقفنا هذا هو ما يدفعنا لمقاومة مستمرة لكل ما يمنع عنا إنسانيتنا، أو يشوه ويلطخ معنى الكلمات، مهما كان مصدر الخطر.

ونرى، من وجهة نظرنا، أن الوقت حان لكي يعيد الشعراء في العالم، وتعيد المؤسسات الشعرية، مهمة الدفاع عن القيم الحضارية العليا، وعن صفاء معنى الكلمات، في جميع جهات الأرض، إلى واجهة اهتمامها. فلا فرق بين شعب وآخر ولا بين لغة وأخرى ولا بين دين وآخر ولا بين حضارة وأخرى، فالشعراء قبيلة واحدة، وهم بهذه الصفة يسهرون على وهج الكلمات ويحظون بمشروعية التعبير عن القيم الإنسانية الخالدة، التي بدونها تصبح الحياة حفرة دفن جماعي.

لأجل ذلك، نوجه نداءنا إلى الشعراء في العالم، والمؤسسات الشعرية، والكتاب والمفكرين والفنانين، والمنظمات الثقافية الدولية، لإعلان تضامن يساوي بين جميع ضحايا الإرهاب باستعمال الكلمات في صفاء معناها، وفتح حوار جماعي يسمح لنا، كشعراء ومثقفين، أن نقدم فكرة جديدة تناقض ما يمنع عن البشر أن يعيشوا حياة سليمة، وأن يكون الشعراء من أبناء لغة الصفاء.

وتقتضي الدعوة إلى فكرة جديدة، قبل كل شيء، تنديدا بالحملة الإعلامية، التي تخلط بين حق شعوب مضطهدة في الوجود وبين ما ترتكبه شبكات محترفي الإرهاب الدولي من جرائم. إذا كانت الحملة الإعلامية تلطخ صفاء معنى الكلمات، فإن على الشعراء أن يعارضوا هذا التلطيخ ويدركوا مخاطر الخلط بين الواقع المأساوي لشعوب تدافع عن حقها في الوجود وتقرير مصيرها بإرادة منها واختيار، وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني، وبين الحملة الإعلامية التي لا تحترم الحقيقة والمواقف العادلة.

ثم علينا أن نتذكر، بوعي ومعرفة وحرص أن الشعب المغربي جزء من الشعوب العربية والإسلامية التي ساهمت في بناء الحضارة الإنسانية وأثرت بثقافتها وفنونها، في غيرها من الشعوب. وهي في الحاضر مستبعدة من الاستشارة وإبداء الرأي في القرار، مثلما هي تعاني من النتائج السلبية للعلاقات الدولية غير المتكافئة في عهد عولمة وحشية. ومع ذلك فإن هذه الشعوب تكافح لإقرار حياة ديموقراطية مستقرة في بلدانها وعلاقات مساواة وتعاون مع الشعوب الأخرى في العالم. وهي فوق ذلك ترفض الإرهاب كيفما كان شكله ومصدره، مع العلم بأنها الضحية الأولى، منذ عقود، للإرهاب. ونحن أبناء أوفياء لشعبنا، بما يعلمه لنا من أخلاق التسامح والعدل والكرامة، وبما يستقبلنا به من حب للشعر والشعراء من جميع اللغات والبلدان.

وبهذا الاقتضاء، يمكن للألم الكبير، الذي أصاب، اليوم، جميع محبي السلم، أن يكشف لنا عن منعطف التأمل في العلاقات بين المجتمعات الدولية على أسس المساواة وإعطاء الحق لصاحب الحق، والتأمل في العدالة التي لا تصبح مبررا لاستعمال العنف ضد الأبرياء في أي مكان من العالم. فحقيقة الشعر هي صيرورة الرحيل نحو صفاء معنى الكلمات.