تظاهرات

1- يوم الشعر في المغرب

8   أبريل 1999
موجهة العمق الشعري 

            يبدو أن إنشاء بيت للشعر في المغرب لم يلب، حسب تسلسل الوقائع، ضرورة تم الاحساس بها محليا فقط، تجسدت تأثيراتها خلال هذه السنوات الثلاث الأخيرة، في التجدد الملموس على الوجه الأكمل للحيوية في مجال الإبداع الشعري، بل إن الإنشاء ارتبط فوريا بانتظار اشتركت فيه جميع الأطراف، من أجل رؤية رد الاعتبار لهذا الجزء من ذاتنا الذي هو مصدر القيم الكبرى المؤسسة لحضارتنا ومصدر الأسئلة الأساسية لمصيرنا.

            إن موجة العمق الشعري تريد إثارة العالم وإنقاذ الشعراء من القدر الذي يجعل منهم "هؤلاء الأبناء الأكثر وداعة للمرأة" المجيدين للموت بهدوء. موجة تحصل في وقت نعاين فيه الارتجافات الأخيرة لنهاية قرن، تأثرت بانهيار اليوتوبيات وتراجع الفكر والوعي وسيادة القوانين التجارية، والتعصب والكراهية، والضجيج المسعور لبلاغات تعطي الامتياز لنوع مخصوص من "المعرفة" على حساب المعرفة الحقيقية، وهي عناصر يمكن أن تختصر مقدار ما جمعناه من يأس، بقدر ما تميز فترة ترفض حتى الكلمات التي يجب أن نطهرها من الكراهية. وبصورة ساطعة، عبر مناطق مختلفة من العالم، تتجلى استعادة الوعي بسلطة التحريرية كما تتجلى إعادة اكتشاف الشعر كأساس قوي للتعبير عن الوجود والثقافة.

            تتتابع وتتواصل، بشكل غير مسبوق، الاحتفاءات بكثير من الأحداث المرتبطة بالشعر. وهكذا تم الاحتفال في السنة الماضية بمئوية وفاة مالرمي، الشاعر المتفرد الأهمية، بسبب ما قدمته كتاباته من مساهمة في قيم متجددة للجمال والجمالية، نازعة نحو إدراك الحقيقة والزمن الإنسانين. وهذا الذي كان يرى أن موهبة الشاعر تكمن في "إعطاء معنى أصفى لكلمات القبيلة" التحق، خارج تقلبات الأزمنة والمدارس والأجناس الأدبية، بالشاعر الألماني غوتة الذي نحتفي هذه السنة بالذكرى 250 لوفاته، والذي كان يلاحظ كذلك، أنه لا جدوى من التنكر لواجب الشاعر وعمله الإلهي.

            وإلى جانب ذلك هناك حدث آخر له دلالة قوية، ونعني به تكريس سنة 1999 لكاملها للاحتفاء بالشاعر الروسي بوشكين، هذا المبدع الاستثنائي في الأدب الروسي المعاصر، الذي يحافظ وحده، في نقاء شعره، على كل الروح واللغة والطبيعة والطبع الخاصة بروسيا، ويعتبر نفسه "مغربيا" بسبب أصوله الإفريقية، كان هو أيضا يضع الشعر في سياق شبه رسولي: "... يحرق بالكلام قلوب البشر وهو يجوب البحار والأراضي". إحراق القلوب وتطهيرها من الأسئلة  المشبوهة، وستظل القصيدة مكان الكلام الخالص الذي يصالحنا مع أنفسنا، ويرينا سشاعة فقدان الأشياء التي تنخلى عنها في الظلمات المرعبة.

            تظاهرات تضع الشعر والشعراء في الطليعة، ولم يفت "بيت الشعر في المغرب" أن يقدم حيوية مشاركته ويضمنها كامل حساسيته. لقد نظم الشعراء المغاربة في السنة الماضية المهرجان العالمي للشعر بالدار البيضاء، الأول من نوعه في المغرب وفي العالم العربي. هذا الحدث الذي استقطب اهتمام الجمهور والصحافة ينخرط ضمن مسعى يماثل مساعي ذكاءات شعرية في جهات أخرى من العالم. كان المهرجان فرصة كي يتوجه "بيت الشعر في المغرب" إلى الهيئات الدولية عبر  اليونسكو بنداء من أجل إقامة يوم عالمي للشعر. وقد نال النداء الصدى المأمول، لأن الإجراءات الضرورية تأخذ الان مجراها ن أجل إقامة هذا اليوم.

            وسترى هذه السنة مبادرت جديدة، تستجيب لتطلعات الشعراء المغاربة، وتغني الأعمال التي تمت مباشرتها حتى الآن: مضاعفة اللقاءات مع الشعراء بمناسبة نشر أعمالهم، وهذه اللقاءات ستكون منتظمة كل أول يوم سبت من شهر، نطلق عليه "السبت الشعري"؛ نشر مجلة بيت الشعر؛ المشاركة في تظاهرات على الصعيدين الوطني والخارجي. دون إغفال "أمسية الشاعر المغربي" المدرجة لا كـ "تكريم" تقليدي يضع نقطة النهاية لمسار كتابة، ولكن كاكتشاف لعمل نوعي، توطد وما يزال يتدفق، يطرح سؤاله على حداثتنا بشكله بقدر ما يطرحه علينا بمضمونه.

            يوم الشعر في المغرب هذه السنة احتفاء، إذن، يتم في جو غني بالأنشطة، ليكون للشعر كامل سيادته في الحقل الثقافي وفي الحياة اليومية، جو غني بتعدد الأصوات وتنوع المواهب، وبالتكريس والوعود.

بيت الشعر في المغرب

الدار البيضاء (30 مارس 199).


كلمة الشاعر الفنلندي بانتي هولايا

عن الصمت الداخلي

            يؤثر الشاعر أن يكتب/يتكلم على الشعر عبر قصيدة. ليس الشعر مرتبطا بقصدة معينة مكتوبة أو مقروءة. إنه يلمع كالشمس على كريستالة ملساء لكنه يخفي كينونته الداخلية بعيدا عن الأنظار تماما كالحب، كالجمال.

            متحسرا على الصعوبة القصوى للحديث عن الشعر باللغة اليومية، صادفت استجوابا لمدير مدرسة للتجارة. من ضمن ما قال: "مشكل المعلوميات أنها لا تعالج إلا معارف معبر عنها شفويا أو كتابيا". قال وأضاف إن "أفكار الناس تحكمها معرفة صامتة يصعب التعبير عنها". في العلاقة مع الآخرين، يجب على الناس أن يتذكروا هذه المعرفة، الصامتة الكائنة لدى كل واحد، لأن حياتنا تضخع لها.

            "اللعنة"! قلت في نفسي كان علي أن ألبس هذه الفكرة كلمات. لأنها فكرتي رغم أنها لم تأتني من قبل. إنها شديدة الألفة لدي. ربما انتزعت مني وأهديت لمدير مدرسة التجارة. ربما قرأها أو سمعها من شخص آخر أو أتته حلما. الأفكار تسبح في الهواء والصدفة هي من يقرر عند من تسجل.

            على أية حال، أفهم الآن بشكل أدق أين نحتاج إلى الشعر، على ماذا يتكلم الشعر، ولاية أسباب لا يمكن للحاسوب أن يكون شاعرا، ذلك، رغم ان النظريات المبسطة حول التطور تصف الكائنات الحية، الإنسان إضافة إلى الكائنات الأخرى، على أنها آلات ذكية غايتها الوحيدة هي في آخر المطاف البقاء والتكاثر، نعرف (لكن هل نعرف حقا؟) أن ذلك ليس إلا حقيقة جزئية أو ليس حقيقة على الأطلاق.

            في صمتنا الداخلي الذي قد يكون صاخبا نسبيا في بعض الأحيان، تتفاعل تأثيرات قوى متضادة، حيث تنسف محاولات تدمير الذات نزوع البقاء والتكاثر. كثيرا ما يكون فقط الخوف من الموت الشيء الوحيد الذي يبقينا على قيد الحياة. كل التأويلات الواضحة لعالمنا الداخلي (لمعرفتنا الصامتة) هي حتما زائفة.

            من حين لآخر ـ نادرا ـ ما أقرأ قصيدة تبهرني بحقيقتها (صدقها)، لا أستطيع أن أوزع ذلك الانطباع على كلمات معزولة، على أبيات على صور أو إيقاع القصيدة، ربما هي في مجملها بسيطة وبدون محسنات. لكنني وفي اللحظة التي أبدأ فيها تفسيرها، أفاجأ بأن الأساسي لم يقل بعد. أستنتج أن قصيدة مماثلة تعبر عن الحقيقة (المعرفة الصامتة) التي أيضا لا تتوفر على صيغة دقيقة لتسميتها.

            أتخيل أن مؤلف القصيدة أهداني، إضافة إلى تجربة جمالية، دليلا على تشابهنا. لسنا وحديدين، لا هو ولا أنا.

            قصائدي نفسها ليست سطحيا، صامتة بشكل خاص. أغلبها ليس كذلك. أنا الشاعر ضاجة بالأنانية. كأنه ليس فقط الشخصية الأساسية لعالمه الخاص، ولكن لكل مجريات العالم. أود مع ذلك، أن أتمكن من تبليغ انطباع كون هذه الشخصية واعية بنقص النسبة الذي يمزقها. في عمق كينونتها الصاخبة ينتشر صمت عميق، بحر من المعرفة الصامتة التي لم تبتكرها هي ذاتها، لم تخلقها بالسحر، لكن تلقتها، بشكل مل، هبة موروثة عن كورال للأجناس الحية بأصوات متعددة صامتة، عن رؤية من الأعلى، وقبل كل شيء عن جنسها البشري ذاته، عن وسطها الثقافي عينه، لكن في العمق وبعيدا للغاية، عن اللحظات الأولى للمادة.

            عن طريق الصمت، أعتقد أني ربطت اتصالا مع الذين يصمتون بحكمة، بالشكل ذاته مع الذين، ففي بداية لقائنا يتكلمون لغة الصراخ بفرح وبعسر، لكن داخل تجاويف أفكارهم يقطن ذات الصمت الذي اتحدث عنه.

            أصل إلى هذا الاعتراف: بالنسبة لي التجربة الجمالية الناتجة عن القصيدة (الشعر) ترتبط من جديد بقوتها في التواصل. إلى هذا، بدقة، أنتهي.

ترجمتها إلى العربية

وفاء العمراني